حسن الأمين
33
مستدركات أعيان الشيعة
ملحمة الشاعر أما المطهر الذي يذكرنا بالاعراف فيكاد يكون رمزا منفصلا عن قصص المعراج وألصق بالمصادر القرآنية كالتفاسير وغيرها . فالأعراف وهي جدران تفصل بين النار والجنة لا يمكن أن تشكل أصلا لمفهوم المطهر ، كما أن « الموقف » الذي ينتظر فيه ابن القارح ستة أشهر ليدخل الجنة في رسالة الغفران لا يمكن أن يوحي بمفهوم المطهر أيضا . وأقرب شيء في نظرنا لهذا المفهوم من الناحية الفكرية والفلسفية لا من الناحية الفنية هو مفهوم المعتزلة من أن مرتكب الكبيرة هو في منزلة بين المنزلتين لا في الجنة ولا في النار حتى يحكم الله فيه يوم القيامة . أما أن يكون دانتي قد ركب أقانيم « الأعراف » والمفهوم المعتزلي الفلسفي وظاهرة « الموقف » الفنية في رسالة المعري في كل واحد هو « المطهر » فهو أمر يستبعده البحث الرصين مع كونه ممكنا . أما القسم الثالث والأخير من ملحمة دانتي وهو « الفردوس » فالمؤثرات تتناول البناء الفني والخيال العام لا المفهوم الروحي أو الفلسفي ، وأياما كان الأمر أمر الجزئيات والتفاصيل وعناصر المؤثر والمتأثر فان الكوميديا الإلهية ككل ولدت في مناخات الحضارة العربية ورحم آدابها مع كونها كائنا مستقلا متميزا يعبر عن تصور روحي مغاير للموت والحياة والعالم الآخر . إن ( المعراج ) بتمايز أقسامه وتنوع نماذجه وكثرتها واستمراره كنوع أدبي قائم بذاته ودخوله في الطقوس الدينية والصوفية هو السابق ، هو النموذج للكوميديا الإلهية . ويؤكد الأستاذ سندينو على أهمية النسخة الأندلسية للمعراج وترجمتها ويستمر مستفيضا بدقة وموضوعية على خطة بلاسيوس في الكشف عن التقابل بينها وبين الكوميديا الإلهية متوسلا منهجه في تحليل الرموز والصور والأفكار ومقابلاتها في نص المعراج والكوميديا . نخص بالذكر منها الأمور الآتية : أولا : لقد قاد دانتي عبر رحلته كل من « فرجيل » و « ماتيلد » و « بياتريس » و « سان برناردو » بالتتابع وقد أسبغ الشاعر على كل من هذه الشخصيات أهمية خاصة ورمز بها إلى مستوى من مستويات الروح ففرجيل يمثل التراث كما يمثل العقل وماتيلدا وهي صديقة بياتريس حبيبة دانتي تمثل الحياة المجسدة الحية وبياتريس تمثل الحب الإلهي وسان برناردو يمثل النعمة السماوية وهكذا . أما الرسول العربي فقد قاده في صعوده كل من جبريل ملك الوحي معرجين إلى عزرائيل ملك الموت ومالك خازن الجحيم ورضوان حارس الجنة . ولا يخفى ما بين هذه الشخصيات وشخصيات دانتي من تقابل في الرؤيا والرمز . ثانيا : يطول بنا الكلام إذا أردنا الوقوف عند الصور الجزئية التي تناولها سندينو بالتحليل والمقارنة لذلك نكتفي منها بالالماع إلى صورة النسر العظيم الذي يتشكل من أفواج من الملائكة في ملحمة دانتي ، وهي من أعظم الصور الابداعية التي خبلت عقول الدانتيين . هذه الصورة بالذات تذكر كلا من بلاسيوس وسندينو بصورة ديك العرش في المعراج ، رأسه تحت العرش وقدماه في الأرض السابعة ، وهو ملاك ضخم على صورة الديك يسبح الله في ضوء الألوهة ويصيح فتردد معه ديوك الأرض وخلائقها في السماوات والأرض هذا التسبيح جوقة واحدة . ثالثا : الأمر الذي استرعى انتباه سندينو وأدهشنا هو أن كثيرا من أوصاف الجبال والوديان والأنهار في النسخة الأندلسية المترجمة للمعراج وتركيبها الطوبوغرافي وبنية التصور العام لا يتشابه مع الكوميديا الإلهية فحسب بل يكاد يتطابق في أقسام كثيرة منهما . وتتمايز نسخة المعراج الأندلسية عن باقي المعاريج بكونها تناسب بين الصعود في السماوات السبع ، مخصصة سماء ثامنة منفصلة لله العلي الأعلى ، والهبوط في الأرضين كجزء من الرحلة إلى النار . فالسماء الأولى وهي من الحديد هي كرسي يحيى وعيسى . والسماء الثانية من الرصاص وهي ليوسف . والسماء الثالثة من الفضة وهي كرسي الياس وإدريس . والسماء الرابعة من ذهب وهي لهارون . والسماء الخامسة من لؤلؤ وهي لموسى . والسماء السادسة من فيروز أخضر وهي لإبراهيم . والسماء السابعة من عقيق فهي لآدم . أما السماء الثامنة فهي من الياقوت وهي كرسي العرشي . ويقابلها طبقات الأراضين السبع في الهبوط إلى الجحيم : الأرض الأولى وهي أرض الجلادة . والأرض الثانية وهي الأرض العرقاء أو الأرقى « Arka » . والأرض الثالثة وهي الأرض الخرباء . والأرض الرابعة هي أرض الملطع . والأرض الخامسة وهي الأرض الزاهقة . والأرض السادسة وهي الأرض الحاجب . والأرض السابعة وهي الأرض الفلق . وكذلك تتناسب وتتقابل أبواب الجحيم مع بوابات النعيم تقابلا ملحوظا أما أبواب الجحيم فهي سبع وتجري كما يلي : باب جهنم ، وباب اللذعة وباب الحطمة وباب الظاهر أو الزائر ثم باب سقر وباب الجحيم وباب الكاوية . تقابلها فراديس النعيم السبع ، وهي كما يلي : فردوس عدن ، فردوس الجلال ، فردوس السلام ، فردوس المأوى ، فردوس الخلد ، دار الفردوس ، النعيم . فالتصور العام والخيال المعماري لكل من النسخة الأندلسية للمعراج والكوميديا الإلهية يتلاقيان في العديد من سماتهما البارزة أن نحن تجنبنا الإغراق في التفاصيل والأمور الجزئية . ذلك كله كان في متناول المتنور الأوروبي لا عبر الوسائط الحية والشفهية بل باللغات المكتوبة عبر الترجمة التي رعتها المؤسسات العلمية للدولة فكانت هذه الترجمة المثلثة البركات . أما أن يريد الدانتيون التمحل في وصول أو عدم وصول هذه الترجمة إلى شاعرهم فهو أمر تنفيه القرائن . ان النسخة الأندلسية للمعراج بما تحتويه من نقاط التقاء مع الكوميديا الإلهية في البناء العام أو الشخصيات والتصوير الفني